السيد الطباطبائي
208
بداية الحكمة ( تحقيق الزارعي السبزواري )
الفصل السادس في قدرته تعالى قد تقدّم 1 أنّ القدرة : « كون الشيء مصدرا للفعل عن علم » 2 ، ومن المعلوم أنّ الذي ينتهي إليه الموجودات الممكنة هو ذاته المتعالية ، إذ لا يبقى وراء الوجود الممكن إلّا الوجود الواجبيّ من غير قيد وشرط ، فهو المصدر للجميع ، وعلمه عين ذاته التي هي المبدأ لصدور المعاليل الممكنة ، فله القدرة ، وهي عين ذاته . فإن قلت : أفعال الإنسان الإختياريّة مخلوقة لنفس الإنسان ، لأنّها منوطة باختياره ، إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ؛ ولو كانت مخلوقة للّه ( سبحانه ) مقدورة له ، كان الإنسان مجبرا على الفعل لا مختارا فيه ، فأفعال الإنسان الإختياريّة خارجة عن تعلّق القدرة ، فالقدرة لا تعمّ كلّ شيء . قلت : ليس معنى كون الفعل اختياريّا تساوي نسبته إلى الوجود والعدم حتّى حين الصدور ، فمن المحال صدور الممكن من غير ترجّح وتعيّن لأحد جانبي وجوده وعدمه ، بل الفعل الإختياريّ لكونه ممكنا في ذاته يحتاج في وجوده إلى علّة تامّة لا يتخلّف عنها ، نسبته إليها نسبة الوجوب ، وأمّا نسبته إلى الإنسان الذي هو جزء من أجزاء علّته التامّة فبالإمكان ، كسائر الأجزاء التي لها ، من المادّة القابلة وسائر الشرائط الزمانيّة والمكانيّة وغيرها . فالفعل الاختياريّ لا يقع إلّا واجبا بالغير ، كسائر المعلولات ؛ ومن المعلوم أنّ الوجوب بالغير لا يتحقّق إلّا بالانتهاء إلى واجب بالذات ، ولا واجب بالذات إلّا هو ( تعالى ) ، فقدرته ( تعالى ) عامّة حتّى للأفعال الاختياريّة 3 .
--> ( 1 ) في الفصل العاشر من المرحلة الحادية عشرة . ( 2 ) هذا تعريف القدرة عند الحكماء حيث قالوا : « القدرة كون الفاعل في ذاته بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل » . وتعريفها عند المتكلّمين : « صحّة الفعل والترك » . وفيه : أنّ الصحة هي الإمكان ، وواجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات . ومن هنا يظهر بطلان ما ادّعاه المحقّق الخفريّ من التلازم بين التعريفين . ( 3 ) هذه طريقة طائفة من الحكماء وخواصّ أصحابنا الإماميّة كالمحقّق الطوسيّ في شرح -